الشيخ محمد رشيد رضا

52

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

به وعيد الكافرين فيلحقه بالكفار . وهذا كلام قد ألفته الاسماع ، وأخذ بالتسليم واستعمل في الافحام والاقناع ، فان الذي يسمعه على علاته يرى نفسه ملزما برمي تاركي الأمر بالمعروف والدعوة إلى الخير والنهي عن المنكر بالكفر ، وذلك مخالف للقواعد التي وضعوها للعقائد فلا يستطيع أن يقول ذلك . ولكنه إذا عرض على اللّه في الآخرة وعلى كتابه في الدنيا يظهر أنه لا قيمة له ، وإذا بحثت فيه يظهر لك أن الذي يرى حرمات اللّه تنتهك أمام عينيه ، ودين اللّه يداس جهارا بين يديه ، ويرى البدع تمحو السنن ، والضلال يغشي الهدى ، ولا ينبض له عرق ولا ينفعل له وجدان ، ولا يندفع لنصرته بيد ولا بلسان ، هو هذا الذي إذا قيل له ان فلانا يريد أن يصادرك في شيء من رزقك ( كالجراية مثلا ) أو يحاول أن يتقدم عليك عند الأمراء والحكام ، تجيش في صدره المراجل ، ويضطرب باله ، ويتألم قلبه ، وربما تجافى جنبه عن مضجعه ، وهجر الرقاد عينيه ، ثم إنه يجد ويجتهد ويعمل الفكر في استنباط الحيل وإحكام التدبير لمدافعة ذلك الخصم أو الايقاع به ، فهل يكون لدين اللّه تعالى في نفس مثل هذا قيمته ؟ وهل يصدق أن الايمان قد تمكن من قلبه ، والبرهان عليه قد حكم عقله ، والاذعان إليه قد ثلج صدره ؟ يسهل على من نظر في بعض كتب العقائد التي بنيت على أساس الجدل أن يجادل نفسه ويغشها بما يسليها به من الأماني التي يسميها ايمانا ، ولكنه لو حاسبها فناقشها الحساب ورجع إلى عقله ووجدانه لعلم أنه اتخذ إلهه هواه ، وأنه يعبد شهوته من دون اللّه ، وأن صفات المؤمنين التي سردها الكتاب سردا ، وأحصاها عدا ، وأظهرها بذل المال والنفس في سبيل اللّه ونشر الدعوة وتأييد الحق - كلما بريئة منه ، وأن صفات المنافقين الذين يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم كلهم راسخة فيه فليحاسب امرؤ نفسه قبل أن يحاسب ، وليتب إلى اللّه قبل حلول الأجل لعله يتوب عليه وهو التواب الرحيم * * * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ تقدم في الآية السابقة استحقاق اللعن للكافرين يكتمان الحق ، واستثنى منهم الذين يتوبون ثم ذكر في هذه الآية وما بعدها بيان أولئك اللاعن -